محمد حسين هيكل

128

حياة محمد ( ص )

محمد يخطب عائشة ويتزوج من سودة زاد عناد هذه القبائل محمدا عزلة ، كما زاده إمعان قريش في أذى أصحابه ألما وهمّا . وانقضى زمن الحداد على خديجة ، ففكر في أن يتزوّج ؛ لعلّه يجد في زوجه من العزاء ما كانت خديجة تأسو به جراحه . على أنه رأى أن يزيد الأوصار بينه وبين السابقين إلى الإسلام متانة وقربى ، فخطب إلى أبي بكر ابنته عائشة . ولمّا كانت لا تزال طفلة في السابعة من عمرها عقد عليها ولم يبن بها إلا بعد سنتين حين بلغت التاسعة . وفي هذه الأثناء تزوّج من سودة أرملة أحد المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة وعادوا إلى مكة وماتوا بها . وأحسب القارئ يلمح ما في هاتين الصلتين من معنى يزداد وضوحا من بعد في صلات زواج محمد ومصاهرته . الإسراء سنة ( 621 م ) في هذه الفترة كان الإسراء والمعراج . وكان محمد ليلة الإسراء في بيت ابنة عمه هند ابنة أبي طالب ، وكنيتها أم هانئ . وقد كانت هند تقول : « إنّ رسول اللّه نام عندي تلك الليلة في بيتي فصلى العشاء الآخرة ، ثم نام ونمنا . فلما كان قبيل الفجر أهبّنا رسول اللّه ؛ فلما صلّى الصبح وصلينا معه قال : يا أمّ هانئ لقد صلّيت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي ، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ، ثم قد صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين فقلت له : يا نبيّ اللّه لا تحدّث به الناس فيكذّبوك ويؤذوك . قال : واللّه لأحدّثّنهموه » . الإسراء بالروح أم بالجسد يستند الذين يقولون بأنّ الإسراء والمعراج إنما كانا بروح محمد عليه السلام إلى حديث أم هانئ هذا ، وإلى ما كانت تقوله عائشة : ما فقد جسد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولكن اللّه أسرى بروحه . وكان معاوية بن أبي سفيان إذا سئل عن مسرى الرسول قال : كانت رؤيا من اللّه صادقة . وهم يستشهدون إلى جانب ذلك كله بقوله تعالى : ( وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ) « 1 » . وفي رأي آخرين أن الإسراء من مكة إلى بيت المقدس كان بالجسد ، مستدلّين على ذلك بما ذكر محمد أنه شاهد في البادية أثناء مسراه مما سيأتي خبره ، وأن المعراج إلى السماء كان بالروح . ويذهب غير هؤلاء وأولئك إلى أن الإسراء والمعراج كانا جميعا بالجسد . وقد كثرت مناقشات المتكلمين في هذا الخلاف حتى كتبت فيه ألوف الصحف . ولنا في حكمة الإسراء رأي نبديه . ولسنا ندري أسبقنا إليه أم لم نسبق . لكنا قبل أن نبدي هذا الرأي ، بل لكي نبديه ، يجب أن نروي قصة الإسراء والمعراج على نحو ما جاءت به كتب السيرة . تصوير الإسراء في كتب السيرة سرد المستشرق در منجم هذه القصة مستخلصة من مختلف كتب السيرة في عبارة طلية رائعة ، هذه ترجمتها : « في منتصف ليلة بلغ السكون فيها غاية جلاله ، وصمتت فيه طيور الليل وسكتت الضواري ، وانقطع خرير الغدران استيقظ محمد على صوت يصيح به : أيها النائم قم . وقام فإذا أمامه الملك جبريل وضّاء الجبين أبيض الوجه كبياض الثلج مرسلا شعره الأشقر ، واقفا في ثيابه المزركشة بالدرّ والذهب ، ومن حوله أجنحة من كل الألوان ترعش ، وفي يده دابة عجيبة هي البراق ، ولها أجنحة كأجنحة النّسر انحنت أمام الرسول ، فاعتلاها وانطلقت به انطلاق السهم وصفير الرياح ، فوق جبال مكة ورمال الصحراء متجهة صوب الشمال . وصحبه الملك في هذه الرحلة ، ثم وقف به عند جبل سيناء حيث كلم اللّه موسى ، ثم وقف به مرة أخرى في بيت لحم حيث ولد عيسى ، وانطلق بعد ذلك في الهواء

--> ( 1 ) سورة الإسراء آية 60 .